في بطن الحوت!
بسمة على متن "رينبو وارير".
هذا ما شعرت به في ليلتي الاولى على متن "رينبو وارير". سفينة غرينبيس ورمزها بامتياز. غرف الطاقم والضيوف، وانا من هؤلاء، في بطن السفينة. ورينبو العزيزة راسية بدعة في مرفأ راشد، في دبي، قرب الرصيف، لا يمسها الا البحر من جهة، ودولاب مطاطي هائل من الجهة الاخرى، ليحول دونها ودون الباطون، لئلا تخدشها اليابسة.
نهارا، لا يبدو ان الامر يستحق الذكر ... فالمرفأ يضج بالحركة، بواخر وعبارات، شاحنات وعربات نقل من كافة الاشكال والاحجام، سفن هائلة لم أر بحجمها الا في صف طويل قبيل ولوج قناة السويس. والسماء تعبق بالطائرات السياحية والمروحيات. دبي كلها، كأنها قفير هائل، مسنن، تزدحم فيه النحلات النشيطة الطنانة.
أما ليلا، فتأوي الكائنات الى مثاويها؟؟ تتهالك في مخابئها واعشاشها، استعدادا لليوم التالي. ياه، جميل هدوء الليل، ومريح دنو وقت اللجوء الى ذاك السرير الصغير الضيق، في قلب السفينة...ما احلى انغلاق الجفنين على مخزون الصور المجموعة نهارا...ليلتي الاولى على السفينة! يا لها من مغامرة...
... لولا ذاك الدولاب. احتكاك جانب السفينة بالدولاب المطواع يعجنه ويطويه، فيطلق زعيقا، يشبه تارة صرير باب عجوز كبله الصدأ ينهر فاتحه لئلا يمسّه مرة أخرى، وطورا يضاهي هول شخير جدي في منزل الاهل الواسع!
كنت اسمع ذاك الشخير المدوي في ارجاء المنزل من مسافة ملعب لكرة القدم، بالرغم من ايصادي كل ما بين الغرفتين من أبواب، والضغط على وسادة فوق اذني حتى الالم. كان شخيره يغطي على أذان الفجر في قريتنا الصغيرة. كانت ليالي صعبة، بين النوم والارق. والنهار بعدها يفوقها صعوبة.
ربما أعتاد، قلت لنفسي صباح اليوم. كسائر البحارة والضيوف على السفينة. حاولت ان اؤلف قصة حول الدوي، فتخيلته لحظة حشرجة الشهيق والزفير في جوف حوت ابتلعني كحال بينوكيو الحزين.
ما زال مزعجا، لم اقتنع بقصتي.
لا بد انه التنين في الكهف المجاور... امضى يوما متعبا يحلق وينفث النيران ويلاحق التنينات في الوادي. قصة بلهاء فاقمت توتري وأرقي.
لم تنفع الصور المتحركة، ولا التخيلات الجامحة التي انطلقت اتخبط فيها، واتقلب في ذاك السرير- الرف؛ وقع حظي على سرير علوي في غرفة اشاطر ثلاث زميلات الراحة فيها.
أعترف أن محاولتي الأخيرة كانت يائسة ومضحكة: ألفت مقطوعات موسيقية حول نغمات زعيق الدولاب المتواترة...باءت كلها بالنشاز الصارخ، وأتت على ذرة النعاس التي كانت تتسرب الى دماغي المتعب.
وها أنا، في ليلتي الثانية على السفينة، انتظر النعاس، لعله يأتيني ببعض من الراحة، فالجولة طويلة والبحر جائر. غدا ننطلق في جولة في الخليج العربي، تحملنا فيها السفينة الى دول، أسمع بعجائبها وأتوق الى اكتشافها. ولنر اذا كان للصلح مكان بيني وبين ذاك الدولاب، وغيره من الدواليب على أرصفة موانئ جديدة.

أضف تعليق
(ان لم تكن قد أضفت تعليقاً من قبل، أنت بحاجة الى موافقة صاحب المدونة قبل ان يظهر تعليقك على التدوينة. شكراً لانتظارك.)